أكد نخبة من المفكرين والعلماء لدى اختتام النسخة الثانية من مؤتمر «قيادة» التابع لمؤسسة قطر أهمية أن يجد الشباب المسلم «بوصلتهم» ويسترشدوا بها في حياتهم، وأن يوظفوا التكنولوجيا لإحداث تغيير إيجابي في مجتمعهم.
واستقطب المؤتمر، الذي أقيم على مدى يومين في ملتقى (مركز طلاب المدينة التعليمية)، أكثر من 1300 شاب مسلم من قطر، لمناقشة واستكشاف وتبادل التجارب ووجهات النظر حول جملة من القضايا المتعلقة بالإيمان والهوية والقيادة وسبل مواجهة تحديات العصر، بمشاركة نخبة من العلماء والتربويين والشخصيات الملهمة.
أُقيم مؤتمر «قيادة»: تطلّعات وتنمية الشباب المسلم في قطر» تحت شعار «بهدى الإيمان نزدهر في عالم متغيّر»، رافعًا لواء تمكين الشباب المسلم من التأمل في قيمهم الإسلامية، والتصدي للتحديات العالمية، وتنمية مهاراتهم القيادية، وتعميق فهمهم للثقافات المختلفة.
ونظّم المؤتمر مكتب الإرشاد والدعم المعنوي بقطاع التعليم العالي في مؤسسة قطر، برعاية بنك قطر الدولي الإسلامي بصفته الراعي الرسمي، ووزارة الرياضة والشباب بصفتها الراعي المشارك.
خلال فعاليات اليوم الثاني والأخير من المؤتمر، قدّم المستشار التربوي والمحاضر الدكتور عبدالرحمن الحرمي محاضرة بعنوان «البوصلة…إلى أين؟» تحدّث فيها عن مفهوم «بوصلة الحياة»، وعن أفضل السبل لتنظيم الوقت وتوجيه أنفسنا نحوها.
وتساءل بهذا الخصوص: «ما الشيء الذي أنا مستعد للتضحية بوقتي وجهدي من أجله؟ هذه هي البوصلة». ودعا الحرمي الطلاب إلى التأمل في ذواتهم، وإدراك قيمة وقتهم، ومراجعة الكيفية التي يستثمرونه بها، موضحًا أن «الزمن هو فرصة العمر؛ ومن لا يعرف بوصلته سيقضي عمره في التيه والضياع، لأنه ببساطة لا يعرف وجهته».
وأضاف: «كثيرون منا لا يعيشون حياة سعيدة لأنهم يظلون في بحث دائم عن سعادة الغد. وقليلون هم من يفكرون في صنع لحظات ذات قيمة بالنسبة لحاضرهم – ساعات يمكنهم لاحقًا استحضارها برضا وطمأنينة».
واختتم الحرمي محاضرته بدعوة الشباب إلى التمسك بقيمة أساسية تتمثل في عدم التنازل عن تحقيق أهدافهم المنشودة. وقال: «من واظب على شيء، عُرف به. والجدية في الحياة سبيل إلى النجاح، فتحلّوا بالقوة، وتمسّكوا بقيمكم، وخذوا أهدافكم وقراراتكم على محمل الجد، فهذه هي بوصلتكم في الحياة.» كما تحدث في اليوم الثاني من المؤتمر الشيخ هشام أبو يوسف، المرشد الديني الإسلامي والإمام والخطيب والمعلم للشباب، عن التكنولوجيا في عالم اليوم، خلال جلسة بعنوان: «القيادة النبوية في عصر الذكاء الاصطناعي».
وقال في هذا الإطار: «إنه لا جدوى من الحديث عن القيادة إذا لم نتحدث عن الواقع الجديد للقيادة الذي نواجهه اليوم – وهو واقع العالم الرقمي. والحقيقة أن الناس لم يعودوا يبذلون جهدًا للبحث عن الإجابات الجيدة لأنهم يعتبرون أن تقنية «شات جي بي تي» تعرف كل شيء؛ فنحن نعيش في عالم أصبح فيه كل شيء على بُعد نقرة أو كبسة زر».
واستعرض سلسلة من الخطوات العملية التي يمكن للشباب أخذها بعين الاعتبار، من بينها الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي لمدة أسبوع على سبيل المثال، على أن يقوموا في نهاية ذلك الأسبوع بحساب مقدار الخير الذي كان بإمكانهم إنجازه خلال ذلك الوقت».
كما شجّع الجمهور على تعلّم مهارة تتيح لهم تسخير التكنولوجيا من أجل الخير، قائلًا: «فكّروا في قضية مطروحة على عالم اليوم، من قبيل الرعاية الصحية والفقر وعدم فهم الناس للقرآن الكريم، وتعليم اللغة العربية، وتفكك الأسرة، والزواج؛ هناك قائمة طويلة من التحديات، لكن أين الأشخاص المستعدون لحلّها؟».
وشهد المؤتمر جلسة حوارية شارك فيها الباحث والناشط في مجال حقوق الإنسان، الدكتور عمر سليمان، والشيخ علي حمودة، المحرر في منصة Islam21c، والدكتور عثمان عمرجي، مدير دراسات البيانات العالمية في معهد يقين للبحوث الإسلامية، ومستشار أول لدى مؤسسة قطر. حيث استعرضوا أبرز الأحداث والموضوعات التي نوقشت على مدار يومي المؤتمر.
وفي معرض تطرقه لحالة عدم اليقين وصعوبة التنبؤ بالمستقبل والتغيير المتنامي الذي يشهده العالم، قال الدكتور عمرجي: «لقد شهدتم جميعًا تغيرات بوتيرة لم تعرفها الأجيال السابقة من قبل. نشهد اليوم كيف يفتح الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة آفاقًا جديدة، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق مشكلات عدة. وهذا يترك الناس أمام سؤال عريض: كيف يمكننا أن نعيش ونتعامل مع عالم لا نعرف كيف سيكون شكله غدًا؟» وأوضح أن الناس كثيرًا ما يتساءلون عما ينبغي لهم دراسته في المدرسة، وما إذا كان اختيار تخصص معين سيضمن لهم مسارًا مهنيًا مستقرًا، وأين ينبغي لهم الدراسة في ظل احتمال اندلاع حرب في أي مكان في العالم. وتفاعل مع هذه التحديات قائلًا: «لقد تسببت حالة عدم التوازن هذه في قدر كبير من القلق، وهو قلق له ما يبرره».
وفي كلمته الختامية للمؤتمر، قال الإعلامي والمذيع والمدرب والخطيب الشيخ عبدالله البوعينين: «كيف تؤدي وتقود بدون أن تعرف من أنت؟ فأنت مسلم وهذه هويتك.» وخلص إلى القول: «ليس المعنى أن يكون الإنسان على مسرح أو منصة، فأنت لست مطالبًا بذلك. ويبقى السؤال الأهم هو «أين ميدانك؟» وكل امرئٍ أعرف بنفسه».
– المياسة الأنصاري: «قيادة» ساعدني على اكتشاف ذاتي
أكدت المياسة أحمد الأنصاري، الطالبة في كلية العلوم الصحية بجامعة قطر وسفيرة مؤتمر «قيادة»، أن المؤتمر يمثل تجربة تتجاوز مفهوم الفعاليات التقليدية، إذ يوفر مساحة تجمع الشباب من خلفيات وتجارب متنوعة، وتتيح لهم الاستفادة من خبرات متحدثين ملهمين، إلى جانب بناء علاقات وتبادل الأفكار والتجارب.
وقالت الأنصاري: «قيادة بالنسبة لي أكثر من مجرد مؤتمر؛ فهو مساحة تجمع طلبة من خلفيات وتجارب مختلفة مع متحدثين ملهمين يمتلكون خبرات واسعة، بما يمنحنا فرصة حقيقية للتعلم والاستفادة من تجاربهم».
وأوضحت أن مشاركتها هذا العام، تحت عنوان «بهدى الإيمان نزدهر في عالم متغير»، تمثل تجربتها الثانية على التوالي مع المؤتمر، بعد مشاركتها في النسخة السابقة وإلقائها كلمة خلال حفل الافتتاح.
وأضافت: «حرصت على تجديد مشاركتي هذا العام من دون تردد، لأن تجربتي السابقة كانت من التجارب التي أعتز بها كثيرًا. تعلمت خلالها الكثير، كما تعرفت على أشخاص من خلفيات ودول مختلفة، وهو ما أضاف لي على المستويين الشخصي والمعرفي».ولفتت الأنصاري إلى أن أبرز ما خرجت به من تجربتها الأولى كان أعمق من مجرد اكتساب مهارات القيادة، إذ أسهم المؤتمر في دفعها إلى التفكير في هويتها ورسالتها الشخصية والدور الذي يمكن أن تؤديه في مجتمعها.
– الشيخ علي حمودة: تمكين الشباب من ابتكار حلول للمستقبل
أكد الشيخ علي إحسان حمودة، محرر قسم التربية في منصة Islam21c والمتخصص في نظرية القيادة الإسلامية، أهمية تعزيز التفكير الإبداعي لدى الشباب، وتمكينهم من البحث عن حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه مجتمعاتهم، مشيرًا إلى أن مشاركته في مؤتمر القيادة تركز بصورة رئيسية على أهمية الإبداع وتطوير أساليب أصيلة في التفكير.وقال : «سأتحدث في المؤتمر عن أهمية الإبداع في التفكير، وعن الحاجة إلى تبني أساليب أصيلة ومبتكرة للتعامل مع العديد من القضايا والتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، كما سأطرح خمسة مسارات عملية يمكن أن تساعد الشباب والفتيات على إيجاد حلول جديدة وإيقاظ روح الإبداع لديهم».و أوضح حمودة أن جمع الشباب والفتيات من تخصصات ومجالات حياتية متنوعة، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة في التفكير في مستقبل مجتمعاتهم، تمثل قيمة كبيرة في حد ذاتها.وأضاف: «أهمية مؤتمر من هذا النوع تكمن في أنه يجمع الشباب والفتيات من مجالات مختلفة، ويمنحهم فرصة للمشاركة في صناعة مستقبل الأمة». وشدد حمودة على حاجة الشباب إلى وعي راسخ بالثقافة والهوية الإسلامية، موضحًا أن الثبات على المبادئ لا يتعارض مع الانفتاح على المعرفة .
– فاي عبدالله: الشباب بحاجة إلى وعي مواجهة المتغيرات
أكدت فاي ياسر عبدالله، الطالبة في جامعة نورثويسترن، أن مشاركتها في مؤتمر «قيادة» للعام الثاني على التوالي تنطلق من حرصها على فهم التحديات التي تواجه الشباب والمجتمعات الإسلامية، واكتساب الوعي الذي يساعدها، بوصفها شابة قطرية مسلمة، على التعامل مع تلك التحديات بثقة وفاعلية.
وقالت: «شاركت في النسخة الأولى من مؤتمر «قيادة»، وحرصت على المشاركة مجددًا هذا العام، لأنني أطمح في كل مرة إلى اكتساب المزيد من المعرفة، والتعرف بصورة أعمق على التحديات التي تواجه عالمنا ومجتمعاتنا الإسلامية».
وأضافت: «ما يهمني كشابة قطرية ومسلمة هو أن أمتلك وعيًا بهذه التحديات، وأن أعرف كيف أتعامل معها بثقة وروح قيادية، بما يمكّنني من ترك أثر وبصمة إيجابية في المجتمع».
– فيصل الأنقر: «قيادة» مساحة لإيصال صوت الشباب
أكد فيصل محمد الأنقر، طالب الأمن السيبراني في كلية المجتمع وسفير مؤتمر «قيادة»، أن مشاركته في المؤتمر تنطلق من الحرص على إيصال صوت الشباب بصورة أعمق، والتعبير عن القضايا والتحديات التي تواجههم، إلى جانب البحث عن الحلول والأفكار التي تساعدهم على التعامل معها.
وقال الأنقر: «نسعى من خلال مشاركتنا في مؤتمر «قيادة» إلى إيصال صوت الشباب بصورة أعمق، والتعبير عن التحديات التي يواجهونها، والتفكير في الحلول التي يمكن أن تساعدهم على تجاوزها. وجودنا هنا يمنحنا مساحة حقيقية لطرح ما يشغل الشباب والتعبير عن رؤيتهم».
وأوضح أن القضايا التي تحظى باهتمام الشباب المشاركين متنوعة، وتشمل الجوانب الدينية والمجتمعية والنفسية والروحانية.